تسعة للنشر والميديا

بعض مما يتعلق بالكلمة... العبث والجديّة

خاطرة طفل بالأربعين من عمره

 


خاطرة تلخص بعض من أفعال البشر، ولا يهم من يتحدث هنا... هو الإيجو الجمعي... ولا يهم ماذا فعل في هذه المقالة، فعلى ارض الواقع... الأفعال أشد فظاعة...

منطق العبث: كيف تقطع شجرة لتنقذ الغابة؟

عِنْدَمَا وَقَعْتُ في الحُبِّ لِلْمَرَّةِ الْأُولَىٰ؛

كُنْتُ مَا أَزَالُ طِفْلًا بَرِيئًا، فِي الْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِي.

كُنْتُ حِينَهَا أُطَارِدُ الْفَرَاشَاتِ،

لِأَصْلِبَهَا بَيْنَ صَفَحَاتِ دَفْتَرِ الْحِسَابِ.

كُنْتُ أُدَوِّخُ قِطَّتِي الْمُدَلَّلَةَ مِنْ ذَيْلِهَا، ثُمَّ أُرْسِلُهَا لِلْجِدَارِ!

لِأَرَىٰ إِنْ كَانَتْ سَتَقَعُ عَلَىٰ قَدَمَيْهَا... أَمْ لَا!

كُنْتُ أَيْضًا أَقْذِفُ صَدِيقَتِي بِالْأَحْجَارِ،

وَأُدْمِي رَأْسَهَا الَّذِي تَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ الْغَارِ.

ثُمَّ أُخْفِي عَنْهَا ذَٰلِكَ، كَيْ لَا تَتَمَادَىٰ وَتَظُنَّ أَنَّنَا بِتْنَا أَصْدِقَاءَ،

فَتَكْسِرَ بِذَٰلِكَ حَاجِزَ الِاحْتِقَارِ بَيْنَ الصِّبْيَانِ وَالْبَنَاتِ.

أَمَّا فِي الْمَنْزِلِ... فَقَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ الْأَخْبَارَ، فَأَعْطِسُ بِكُوبِ الشَّايِ!

كَيْ لَا يَشْرَبَهُ أَبِي الْمُغْتَاظُ مِنَ الْأَسْعَارِ،

فَيُحَطِّمَ التِّلْفَازَ، وَيَذْهَبَ مَعَ أُمِّي، كَيْ يُنْجِبَا لِي الْمَزِيدَ مِنَ الْأَعْدَاءِ...

أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ نَسِيتُهَا، هِيَ مَنْ رَسَمَتْنِي عَلَىٰ هَيْئَةِ رَجُلٍ؛ إِذَا سَارَ تَحْتَ الشَّمْسِ، صَارَ لَهُ خَيَالٌ!

وَالْحَقُّ يُقَالُ: إِنِّي كُنْتُ طِفْلًا ذَا خَيَالٍ وَاسِعٍ.

كُنْتُ حِينَهَا أَظُنُّ، أَنَّ الْحُبَّ هُوَ الْأَسَاسُ.

لَٰكِنَّنِي وَبَعْدَ أَنْ كَبِرْتُ، أَدْرَكْتُ: أَنَّ الْحِقْدَ هُوَ غَالِبًا، مُنْجِبُ الْأَطْفَالِ،

ذَٰاكَ حَالِي وَأَنَا طِفْلٌ فِي الْأَرْبَعِينَ!

لَٰكِنْ؛ بَعْدَ أَنْ اقْتَحَمْتُ الثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِي، اخْتَلَفَتِ الْأُمُورُ.

لَقَدْ كَبِرْتُ وَنَضِجْتُ وَاسْتَوَيْتُ تَمَامًا لِدَرَجَةِ أَنِّي نَسِيتُ سَعَةَ الْخَيَالِ

وَحَافَظْتُ عَلَىٰ نِعْمَةِ الْكَذِبِ.

 نَعَمْ!

فِي الثَّلَاثِينَ أَحْبَبْتُ الْعَدِيدَ مِنَ الْفَتَيَاتِ،

وَبَادَلْتُهُنَّ الْوَفَاءَ بِالْوَفَاءِ وَهَالَةَ، بِتَيْمَاءَ.

أَمَّا جَارِي... فَقَدْ أَحْبَبْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ حِمَارِي الَّذِي رَفَسَ جَدِّي كَيْ لَا يَتَزَوَّجَ جَدَّتِي!

وَمِنْ فَرْطِ مَحَبَّتِي لِلْجَارِ... أَرْسَلْتُهُ إِلَى الْجَحِيمِ وَأَسْمَيْتُهُ فَقِيدًا!

ثُمَّ  تَزَوَّجْتُ زَوْجَتَهُ فَقَطْ كَيْ أَخْلَعَ عَنْهَا ثَوْبَ السَّوَادِ

وَكَيْ أُعَلِّمَ أَبْنَاءَهَا شَيْئًا عَنْ قَسْوَةِ الْحَيَاةِ.

 لَٰكِنَّ الْفَقِيدَ زَارَنِي فِي الْمَنَامِ! وَطَلَبَ مِنِّي رَاجِيًا أَنْ أُعِيدَ زَوْجَتَهُ لَهُ... فَطَلَّقْتُهَا بِالْحَالِ!

رَمَيْتُهَا فِي الشَّارِعِ الْمَهْجُورِ.

خَلْفَ الْقُصُورِ الَّتِي وَعَدْتُهَا بِهَا قَبْلَ الزَّوَاجِ.

وَالْحَقِيقَةُ.... لَا أَعْلَمُ أَيْنَ هُمَا الْآنَ؟ أَكِلَاهُمَا فِي ذَاتِ الْمَكَانِ؟ أَمْ يَلْتَقِيَانِ بِالصُّدْفَةِ. فِي أَحَدِ الثُّقُوبِ السَّوْدَاءِ!

 كَذَٰلِكَ فَعَلْتُ حِينَهَا، أَشْيَاءَ كَثِيرَةً أَقَلَّ قِيمَةً مِنْ هَٰذَا:

مَثَلًا: قَطَعْتُ كُلَّ الْأَشْجَارِ كَيْ أُحَذِّرَ الْقَوْمَ مِنْ خَطَرِ التَّصَحُّرِ.

مَحَوْتُ بَعْضَ الْحُرُوفِ مِنْ فَوْقِ النِّقَاطِ.

رَسَمْتُ أَفْعَىٰ وَتَحْتَهَا لَطْخَةً عَمْيَاءَ، فَأَسْمَوْهَا فِيمَا بَعْدُ: "عَلَامَةَ اسْتِفْهَامٍ".

جَرَّبْتُ كُلَّ أَنْوَاعَ الْخُمُورِ كَيْ أَعْلَمَ أَيُّهَا سَيَكُونُ أَخْطَرَ، وَسَيُشَمِّعُ كَبِدِي بِالشَّمْعِ الْأَحْمَرِ!

ثُمَّ سَئِمْتُ الْخَمْرَ، وَاكْتَفَيْتُ بِبَيْعِهِ لِلْأَطْفَالِ الَّذِينَ يَسْرَقُونَ مِنْ جُيُوبِ الْآبَاءِ،

كَمَا تَفْعَلُ أُمَّهَاتُهُمْ كُلَّ مَسَاءٍ، قَبْلَ أَنْ يَنْبَرِينَ لِأَحْضَانِ الْأَزْوَاجِ، لِتَلْبِيَةِ نِدَاءِ الشَّارِعِ الَّذِي لَا يَكُفُّ عَنِ السُّؤَالِ:

هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟

آهٍ عَلَىٰ تِلْكَ الذِّكْرَيَاتِ الْجَمِيلَةِ، قَبْلَ أَنْ أَكْبَرَ أَكْثَرَ وَأُصْبِحَ عَجُوزًا اِبْنَ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ!

كَانَ ذَٰلِكَ فِي تَمَامِ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ ذَاتِ مَسَاءٍ.

أَحْسَسْتُ بِالْوَحْدَةِ، لَا وَلَدَ وَلَا تَلَدَ.

عِنْدَهَا، سَمِعْتُ الْحُبَّ الصَّادِقَ يَطْرُقُ أَحَدَ الْأَبْوَابِ...

ذَهَبْتُ لِأُفَتِّشَ عَنْهُ! لَٰكِنَّ أَبْوَابَ قَلْبِي كَثِيرَةٌ وَلَمْ أَعْرِفْ أَيًّا مِنْهَا يُطْرَقُ.

يَا لِلْهَوْلِ!!

أَخَذَتْنِي صَاعِقَةُ الْقَرَارِ، وَفَقَدْتُ حِيلَةَ الِاخْتِيَارِ!

فَقَرَّرْتُ اللُّجُوءَ لِلْقَضَاءِ وَالْأَقْدَارِ. قُلْتُ مُتَحَدِّيًا:

هَٰذِهِ الْمَرَّةَ سَأَكُونُ صَادِقًا مَعَ نَفْسِي كَعَادَتِي!

نَظَرْتُ إِلَى الْمَدَاخِلِ وَالْمَخَارِجِ وَالْحَارَاتِ الْكَثِيرَةِ، وَقَرَّرْتُ أَنْ أَخْتَارَ أَوَّلَ فَتَاةٍ تَخْرُجُ مِنْ...

الْحَارَةِ الثَّالِثَةِ عَنْ يَمِينِ شِرْيَانِي الْأَبْهَرِ!

وَبَدَأَ الِانْتِظَارُ!

وَبِالْفِعْلِ، خَرَجَتِ الْكَثِيرُ مِنَ الْفَتَيَاتِ مِنْ كُلِّ الدَّخَلَاتِ وَالْحَارَاتِ وَالْأُوتُوسْتْرَادَاتِ،

إِلَّا مِنَ الْحَارَةِ الثَّالِثَةِ!

عِنْدَهَا أَدْرَكْتُ أَنَّ عَلَيَّ أَنْ أَتَجَمَّلَ بِالصَّبْرِ عَلَىٰ مِحَنِ الْحَيَاةِ.

وَبِالْحَالِ رَأَيْتُ فَتَاةً جَمِيلَةً تَخْرُجُ لَاهِثَةً مِنَ الْحَارَةِ الْعَرِيضَةِ (صِفْر صِفْر سَبْعَة، ألف على كاف)

سَأَلْتُهَا بِكُلِّ لُطْفٍ: أَأَنْتِ يَا سَيِّدَتِي مَنْ طَرَقْتِ الْبَابَ؟

فَزَمْجَرَتْ سَاخِطَةً: إِلَيْكَ عَنِّي، فَأَنَا لَسْتُ قَارِعَةَ أَبْوَابٍ!

أَدَارَتْ ظَهْرَهَا بَاكِيَةً، وَرَكَضَتْ وَدَمْعُ الْعَيْنِ يَسْبِقُهَا وَلَمْ تَتْرُكْ فِي طَرِيقِهَا أَبْوَابًا إِلَّا وَقَرَعَتْهَا!

فَبَقِيتُ وَحِيدًا وَشَعَرْتُ بِاسْتِبْدَادِي، أمّا صَوْتُ الْحُبِّ الصَّادِقِ فَلَمْ يُفَارِقْ شَحْمَةَ أُذُنِي حَتَّىٰ سَئِمْتُ مِنْهُ!

فَقَطَعْتُ أُذُنِي وَرَمَيْتُهَا فِي غُرْفَةِ نَوْمِ الْجِيرَانِ!

حِينَهَا أَدْرَكْتُ بِأَنِّي قَدْ هَرِمْتُ وَدَخَلْتُ سِنَّ الْيَأْسِ،

فَاحْتَفَظْتُ بِهُدُوئِي... وَبَدَأْتُ أَقْتُلُ كُلَّ مَنْ يَكْرَهُنِي!

ثُمَّ تَوَقَّفْتُ فَجْأَةً وَنَظَرْتُ حَوْلِي حَزِينًا لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ أَحَدًا أَقْتُلُهُ.

لَقَدْ خَفَتَتْ كُلُّ الْأَصْوَاتِ! وَاسْتَفَاقَتْ أَصْوَاتُ الْمَاضِي السَّحِيقِ تَغْزُو ذَاكِرَتِي،

تُذَكِّرُنِي بِطُفُولَتِي وَبَرَاءَتِي.

فَبَحَثْتُ عَنْ دَفَاتِرِ الْإِمْلَاءِ وَالْحِسَابِ، وَلَمْ أَجِدْهَا.

بَحَثْتُ أَيْضًا عَنْ قِطَّتِي، فَلَمْ أَجِدْ إِلَّا ذَيْلَهَا الْجَمِيلَ الَّذِي قَطَعْتُه لَهَا ذَاتَ مَرَّةٍ كَيْ أُحَوِّلَهَا لِإِنْسَانٍ بِلَا ذَيْلٍ! وَعِنْدَمَا لَمْ تَتَحَوَّلْ لِإِنْسَانٍ، قَطَعْتُ رَأْسَهَا حُزْنًا عَلَىٰ إِنْسَانِيَّتِها الْمَفْقُودَةِ. كَطُفُولَتِي وَشَبَابِي اللَّذَيْنِ أَفْتَقِدُهُمَا الْآنَ.

فَأَنَا الْآنَ أَحْبُو صَوْبَ عَامِيَ الْأَوَّلِ...

أَحْبُو عَلَىٰ أَرْبَعٍ، فَأَنَا طِفْلٌ رَضِيعٌ لَا يَعْرِفُ مِنَ الْكَلَامِ سِوَىٰ (الواع والويع)

مُجَرَّدُ أَيَّامٍ خَلَتْ، وَذِكْرِيَاتٌ مَضَتْ، لَنْ أَسْتَطِيعَ أَنْ أَبُوحَ بِهَا لِأَحَدٍ، فَلَا أَحَدَ يَفْهَمُنِي.

وَحِينَمَا شَعَرْتُ بِالْخَطَرِ، أَدْرَكْتُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَبْحَثَ عَنْ حُبٍّ جَدِيدٍ بِمُحَرِّكٍ نَفَّاثٍ!

جَهَّزْتُ كُلَّ الصَّوارِيخِ الْمُمْكِنَةِ، وَتَأَهَّبْتُ لِاصْطِيَادِهِ حَالَ رُؤْيَتِهِ!

وَعِنْدَمَا لَاحَ مِنْ بَعِيدٍ يُسَابِقُ السَّحَابَ،

أَطْلَقْتُ صَارُوخِي وَاسْتَنْفَدْتُ كُلَّ قُوَّتِي!

عُدْتُ إِلَىٰ جَاهِلِيَّتِي الْأُولَىٰ وَلِمَا قَبْلَ الْمِيلَادِ وَأَنَا مُرْتَاحٌ؛

فَقَدْ أَنْجَبَ هَٰذَا الصَّارُوخُ الْكَثِيرَ مِنَ الْأَوْلَادِ الَّذِينَ تَكَاثرُوا فِي كُلِّ الْبِلَادِ...

وَهَا هُمْ الْآنَ يَمْضُونَ أَيَّامَ طُفُولَتِهِمْ بِصَيْدِ الْفَرَاشَاتِ...

وَصَلْبِهَا بَيْنَ جَنَبَاتِ دَفَاتِرِ الْحِسَابِ.

للإنصات المثال: تابع من هنا



 

حسن مصطفى

روائي وسيناريست. أهتم بتطوير البناء الدرامي وكتابة النصوص الأدبية والسينمائية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الأحدث ▶